محمد بن جرير الطبري

161

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

والأرض كل له قانتون قال : كل له مطيعون ، إلا ابن آدم . قال : فمن كان في هذه الآيات التي يعرف أنها منا ، ويشهد عليها وهو يرى قدرتنا ونعمتنا أعمى ، فهو في الآخرة التي لم يرها أعمى وأضل سبيلا . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، قول من قال : معنى ذلك : ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن حجج الله على أنه المنفرد بخلقها وتدبيرها ، وتصريف ما فيها ، فهو في أمر الآخرة التي لم يرها ولم يعاينها ، وفيما هو كائن فيها أعمى وأضل سبيلا : يقول : وأضل طريقا منه في أمر الدنيا التي قد عاينها ورآها . وإنما قلنا : ذلك أولى تأويلاته بالصواب ، لان الله تعالى ذكره لم يخصص في قوله ومن كان في هذه الدنيا أعمى عمى الكافر به عن بعض حججه عليه فيها دون بعض ، فيوجه ذلك إلى عماه عن نعمه بما أنعم به عليه من تكريمه بني آدم ، وحمله إياهم في البر والبحر ، وما عدد في الآية التي ذكر فيها نعمه عليهم ، بل عم بالخبر عن عماه في الدنيا ، فهم كما عم تعالى ذكره . واختلفت القراء في قراءة قوله فهو في الآخرة أعمى فكسرت القراء جميعا أعني الحرف الأول قوله ومن كان في هذه أعمى . وأما قوله فهو في الآخرة أعمى فإن عامة قراء الكوفيين أمالت أيضا قوله : فهو في الآخرة أعمى . وأما بعض قراء البصرة فإنه فتحه ، وتأوله بمعنى : فهو في الآخرة أشد عمى . واستشهد لصحة قراءته بقوله : وأضل سبيلا . وهذه القراءة هي أولى القراءتين في ذلك بالصواب للشاهد الذي ذكرنا عن قارئه كذلك ، وإنما كره من كره قراءته كذلك ظنا منه أن ذلك مقصود به قصد عمى العينين الذي لا يوصف أحد بأنه أعمى من آخر أعمى ، إذ كان عمى البصر لا يتفاوت ، فيكون أحدهما أزيد عمى من الآخر ، إلا بإدخال أشد أو أبين ، فليس الامر في ذلك كذلك . وإنما قلنا : ذلك من عمى القلب الذي يقع فيه التفاوت ، فإنما عني به عمى قلوب الكفار ، عن حجج الله التي قد عاينتها أبصارهم ، فلذلك جاز ذلك وحسن . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :